المطخ
بعد أكثر من سنة التقينا في بيتي، كانت الثورة السورية قد قامت، وانتقلت من جنوب البلاد إلى قلبها وأطرافها، فعدّها النظام مؤامرة سلفية وهّابية كونية على الوطن، وكلّف الجيش والقوى الأمنية بوأدها، فنشبت حرب عجيبة بين حماة الديار وأهل الدار.
يومها، أصبحت دمشق مقطّعة الأوصال بحواجز الجيش والأمن والشبيحة والدفاع الوطني واللجان الشعبية وغيرها من المسلحين والمرتزقة.. دمشق التي خرجت عن صمتها بعد نصف قرن من حكم العسكر، وصرخت في وجوههم مطالبة بالهواء، فجاء الجواب دخاناً،وإطلاق نار، وقتلاً، وتشريداً. أطلقت أسلحتنا النار علينا، ومشت دباباتنا على لحمنا، وسحقت عظامنا، وقصفت الحوامات وطائرات الميغالروسية بيوتنا وساحاتنا وأشجارنا، وأصبح قاسيونُ دمشقَ عدوَّها وغولها ومصدر رعبها، بعد أن كان حارسها ونبراسها ورمزها؛ وتحولت المدينة الفيحاء إلى تلّة أخرى من الرماد. حاصرت الحواجز المسلحة شوارعنا وحاراتنا، وداست أحذية جنودنا على حدائقنا وأحداقنا، وراح ينموالقتل والخوف في مدينتنا مكانَ الورد والكبّاد والنارنج، حلّت الدموع محل.

